فخر الدين الرازي
189
تفسير الرازي
في النظم وجهان الأول : أنه تعالى لما أمر المؤمنين ببعض الأشياء ونهاهم عن بعضها وحذرهم من أن يكونوا مثل أهل الكتاب في التمرد والعصيان ، وذكر عقيبه ثواب المطيعين وعقاب الكافرين ، كان الغرض من كل هذه الآيات حمل المؤمنين المكلفين على الانقياد والطاعة ومنعهم عن التمرد والمعصية ، ثم إنه تعالى أردف ذلك بطريق آخر يقتضي حمل المؤمنين على الانقياد والطاعة فقال * ( كنتم خير أمة ) * والمعنى أنكم كنتم في اللوح المحفوظ خير الأمم وأفضلهم ، فاللائق بهذا أن لا تبطلوا على أنفسكم هذه الفضيلة ، وأن لا تزيلوا عن أنفسكم هذه الخصلة المحمودة ، وأن تكونوا منقادين مطيعين في كل ما يتوجه عليكم من التكاليف الثاني : أن الله تعالى لما ذكر كمال حال الأشقياء وهو قوله * ( فأما الذين اسودت وجوههم ) * ( آل عمران : 106 ) وكمال حال السعداء وهو قوله * ( وأما الذين ابيضت وجوههم ) * ( آل عمران : 107 ) نبه على ما هو السبب لوعيد الأشقياء بقوله * ( وما الله يريد ظلماً للعالمين ) * ( آل عمران : 108 ) يعني أنهم إنما استحقوا ذلك بأفعالهم القبيحة ، ثم نبه في هذه الآية على ما هو السبب لوعد السعداء بقوله * ( كنتم خير أمة أخرجت للناس ) * أي تلك السعادات والكمالات والكرامات إنما فازوا بها في الآخرة لأنهم كانوا في الدنيا * ( خير أمة أخرجت للناس ) * وفي الآية مسائل : المسألة الأولى : لفظة * ( كان ) * قد تكون تامة وناقصة وزائدة على ما هو مشروح في النحو واختلف المفسرون في قوله * ( كنتم ) * على وجوه الأول : أن ( كان ) ههنا تامة بمعنى الوقوع والحدوث وهو لا يحتاج إلى خبر ، والمعنى : حدثتم خير أمة ووجدتم وخلقتم خير أمة ، ويكون قوله * ( خير أمة ) * بمعنى الحال وهذا قول جمع من المفسرين الثاني : أن ( كان ) ههنا ناقصة وفيه سؤال : وهو أن هذا يوهم أنهم كانوا موصوفين بهذه الصفة وأنهم ما بقوا الآن عليها . والجواب عنه : أن قوله ( كان ) عبارة عن وجود الشيء في زمان ماض على سبيل الإبهام ، ولا يدل ذلك على انقطاع طارئ بدليل قوله * ( استغفروا ربكم إنه كان غفاراً ) * ( نوح : 10 ) قوله * ( وكان الله غفوراً رحيماً ) * ( الفتح : 14 ) إذا ثبت هذا فنقول : للمفسرين على هذا التقدير أقوال أحدها : كنتم في علم الله خير أمة وثانيها : كنتم في الأمم الذين كانوا قبلكم مذكورين بأنكم خير أمة وهو كقوله * ( أشداء على الكفار رحماء بينهم ) * ( الفتح : 29 ) إلى قوله * ( ذلك مثلهم في التوراة ) * ( الفتح : 29 ) فشدتهم على الكفار أمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر وثالثها : كنتم في اللوح المحفوظ موصوفين بأنكم خير أمة ورابعها : كنتم منذ آمنتم خير أمة أخرجت للناس وخامسها : قال أبو مسلم قوله * ( كنتم خير أمة ) * تابع لقوله * ( وأما الذين ابيضت وجوههم ) * ( آل عمران : 107 ) والتقدير : أنه يقال لهم عند الخلود في الجنة : كنتم في دنياكم خير أمة فاستحقيتم